أحمد بن محمد القسطلاني
422
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الصنعاني أخو وهب أنه ( سمع أبا هريرة ) رضي الله تعالى عنه ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) : ( إذا قام أحدكم إلى الصلاة ) أي شرع فيها ( فلا يبصق ) بالصاد والجزم على النهي ( أمامه ) بفتح الهمزة قدامه ( فإنما ) وللكشميهني فإنه ( يناجي الله ) عز وجل ( ما دام في مصلاه ) ظاهره تخصيص المنع بحالة الصلاة ، لكن التعليل بتأذّي المسلم يقتضي المنع مطلقًا ولو لم يكن في الصلاة ، نعم هو في الصلاة أشد إثمًا مطلقًا ، وفي جدار القبلة أشد إثمًا من غيرها من جدار المسجد ( ولا ) يبصق ( عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا ) يكتب الحسنات لأن الصلاة هي أمها ، فلا دخل لكاتب السيئات الكائن عن اليسار فيها ، وأن لكل أحد قرينًا وموقفه يساره كما في الطبراني ، فلعل المصلّي إذا تفل يقع على قرينه وهو الشيطان ولا يصيب الملك منه شيء ( ويبصق عن يساره أو تحت قدمه ) اليسرى في غير المسجد أما في المسجد ففي ثوبه لأنه قد قال إنه خطيئة فلم يأذن فيه فلو تعذّر في جهة اليسار لوجود مصل فيها بصق تحت قدمه وفي ثوبه ( فيدفنها ) بالرفع وهو الذي في الفرع خبرًا لمبتدأ محذوف أي فهو يدفنها ، وبالنصب جواب الأمر ، وبالجزم عطفًا على الأمر أي فيغيب البصقة بالتعميق في باطن أرض المسجد إذا كانت غير متنجسة بحيث يأمن الجالس عليها من الإيذاء ، فلو كان المسجد غير ترابي فليدلكها بشيء حتى يذهب أثرها البتّة . ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بخاري وصنعاني وبصري ، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة . 39 - باب إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا بدره ) أي غلب على المصلّي ( البزاق ) بالزاي لم يقدر على دفعه ( فليأخذ بطرف ثوبه ) وقد أنكر الشمس السروجي أن يقال بدره بل بدرت إليه وبادرته . وأجاب الزركشي والبرماوي والدماميني وابن حجر نصرة للمؤلّف بأنه من باب المغالبة أي بادر البزاق فبدره أي غلبه في السبق ، قال الدماميني : وهذا غير منكر ، وتعقب العيني ذلك على ابن حجر كعادته فقال : هذا كلام من لم يمس شيئًا من علم التصريف فإن في المغالبة يقال بادرني فبادرته ، ولا يقال بادرت كذا فبدرني ، والفعل اللازم في باب المغالبة يجعل متعديًا بلا حرف صلة يقال : كارمني فكرمته وليس هنا باب المغالبة حتى يقال بدره انتهى . 417 - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ ، وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ - أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ - وَقَال : « إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ - فَلاَ يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ » . ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، قَالَ : « أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا » . وبه قال : ( حدّثنا مالك بن إسماعيل ) النهدي الكوفي ( قال : حدّثنا زهير ) بالتصغير ابن معاوية الكوفي الجعفي ( قال : حدّثنا حميد ) الطويل ( عن أنس ) رضي الله عنه وللأصيلي عن أنس بن مالك : ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى نخامة في القبلة ) أي في جهة حائطها ( فحكها بيده ) بالكاف أي النخامة ، وللأصيلي فحكه أي أثر النخامة أو البصاق ، ( ورئي ) بضم الراء ثم همزة مكسورة ثم ياء مفتوحة ، ولأبي ذر عن الكشميهني والأصيلي ، وريء بكسر الراء ثم ياء ساكنة ثم همزة مفتوحة ( منه ) عليه الصلاة والسلام ( كراهية أو رئي ) بضم الراء ثم همزة مكسورة فياء مفتوحة ( كراهيته ) عليه الصلاة والسلام ( لذلك ) أي الفعل والشك من الراوي وكراهية مرفوع برئي المبني للمفعول ( وشدته عليه ) رفع عطفًا على كراهية أو جر عطفًا على قوله لذلك . ( وقال ) عليه الصلاة والسلام : ( إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربه ) بكلامه وذكره ويناجيه ربه بلازم ذلك من إرادة الخير ، قال النووي : وهو إشارة لإخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى ( أو ربه ) تعالى مبتدأ خبره ( بينه وبين قبلته ) والجملة عطف على الجملة الفعلية قبلها ، ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر في نسخة وبين القبلة ، وليس المراد ظاهر ذلك إذ هو محال لتنزيه الرب تعالى عن المكان ، فيجب تأويله بنحو ما مرّ في باب حك البزاق باليد ( فلا يبزقن ) أحدكم ( في قبلته ولكن ) يبزق ( عن يساره أو تحت قدمه ) اليسرى ، ( ثم أخذ ) عليه الصلاة والسلام ( طرف ردائه فبزق فيه ) بالزاي ( ورد بعضه على بعض ، قال ) عليه الصلاة والسلام ، وللأصيلي وابن عساكر فقال : ( أو يفعل هكذا ) . فإن قلت : ليس في الحديث مطابقة للترجمة لأنه لم يذكر في الحديث